- تعديل 1 جوان 2002، إصلاح دستوري جوهري يؤسس لـ"جمهورية الغد" :
يعتبر هذا التعديل الذي يؤسس لجمهورية الغد والذي صادق عليه الشعب في الاستفتاء الذي نظّم لأول مرة في 26 ماي 2002 أهمّ تعديل يدخل على الدستور منذ صدوره في 1 جوان 1959 لأنه بقدر ما يجسّم طموحات الشعب في نظام سياسي متطوّر فإنه أتى معبّرا عن نظرة استشرافية تأخذ بعين الاعتبار تطوّر المجتمع التونسي بما يجعل الدستور يواكب هذا التطور ويحقّق التلازم بين التنمية الاقتصادية والاجتماعية والتنمية السياسية.
وقد شمل هذا التعديل 39 فصلا من فصول الدستور من جملة 78 فصلا أي نصف فصول الدستور، وكرّس هذا التعديل الجوهري المبادئ الأساسية التي ينبني عليها المشروع المجتمعي للتحّول كما جاء معزّزا لحقوق الإنسان في الدستور ودعم التمثيل بإحداث مجلس المستشارين وعزّز رقابة مجلس النواب على الحكومة وجعل من مؤسسة المجلس الدستوري دعامة أساسية من دعائم دولة القانون والمؤسسات.

ويمكن تلخيص أهمّ مميزات النظام السياسي في تونس في :
- ضمان حقوق الإنسان.
- تكريس مبادئ دولة القانون.
- تكريس الديمقراطية والتعددية.
- ترسيخ الدولة والمجتمع لقيم التضامن والتآزر والتسامح بين الأفراد والفئات والأجيال.
- إقامة نظام رئاسي متجدّد.
- تطوير نظام التمثيل.
الميزة الأولى : ضمان حقوق الإنسان
يعتبر الدستور التونسي سبّاقا في مجال تكريس حقوق الإنسان بالنظر إلى وضعه في الخمسينات فقد نصّ على أهم الحقوق والحريات الأساسية المعروفة في ذلك الوقت، وهي حقوق الجيل الأول والجيل الثاني أي الحقوق السياسية والمدنية والاقتصادية والاجتماعية.
إلاّ أنه بالرغم ممّا تتميّز به أحكام الباب الأول من دقة ومن تعرض لأهم حقوق الجيلين الأول والثاني من أجيال حقوق الإنسان، فلا يغيب عن الأذهان أن تلك الأحكام تم وضعها في نهاية الخمسينات. ومنذ ذلك التاريخ، شهدت منظومة حقوق الإنسان تطوّرا هاما، فقد أعقب الجيلين الأول والثاني الجيلان الثالث والرابع، وهذه الحقوق مازالت في تطوّر مطرد، وهو ما يتطلب تطوير أحكام الباب الأول من الدستور بما يجعله متماشيا وما تعرفه منظومة حقوق الإنسان من تطوّر.
وبالإضافة إلى ذلك، فإن التوطئة وأحكام الباب الأول لا تعكس المكانة المحورية لحقوق الإنسان في المشروع المجتمعي للتحوّل. كما أنها لا تتضمّن مبادئ دولة القانون والمؤسسات ومبادئ التعددية التي تعتبر هي الأخرى من أبرز مقوّمات المشروع المجتمعي للتغيير. فعبارة حقوق الإنسان لم يقع ذكرها إلا في التوطئة. ومن جهة أخرى فإن الدستور لا يكرس القيم التي تنبني عليها فلسفة العهد الجديد في مجال تحقيق التنمية الشاملة وفي قيم التضامن والتآزر والتسامح.
ومن المعلوم أن الدساتير هي مرآة تعكس وتختزل فلسفة النظام السياسي، ولذلك جاء التعديل الذي بادر به الرئيس بن علي ليكرّس بوضوح صلب أحكام الدستور المبادئ الجوهرية التي يقوم عليها المشروع المجتمعي للتحول والتي تشكل أبرز خياراته السياسية وأساس التشريعات التي وقع إصدارها منذ التغيير.
إن الأحكام الجديدة التي أدخلت على بعض فصول الباب الأول تجعل الدستور التونسي في صدارة الدساتير الضامنة لحقوق الإنسان.
ويتمثل ضمان حقوق الإنسان بالخصوص فيما تنصّ عليه الفقرة الأولى من الفصل 5 من الدستور : "تضمن الجمهورية التونسية الحريات الأساسية وحقوق الإنسان في كونيتها وشموليتها وتكاملها وترابطها".

إن هذه الفقرة لوحدها تختزل بعمق مقاربة العهد الجديد في مجال حقوق الإنسان، هذه المقاربة التي تقوم على شمولية حقوق الإنسان وكونيتها وترابطها وتكاملها، كما حدّدها بوضوح الرئيس زين العابدين بن علي في عديد المناسبات.
كما يتمثل ضمان حقوق الإنسان في الدستور في ترسيخ الدولة والمجتمع لقيم التضامن والتآزر والتسامح بين الأفراد والفئات والأجيال وحماية المعطيات الشخصية والارتقاء بالضمانات القضائية للاحتفاظ والإيقاف التحفظي إلى مستوى الدستور وتكريس مبدإ تطبيق النص الأرفق والمعاملة الإنسانية لكل فرد فقد حريته.
الميزة الثانية : تكريس مبادئ دولة القانون
تنصّ الفقرة الثانية من الفصل 5 (جديد) من الدستور على ما يلي : "تقوم الجمهورية التونسية على مبادئ دولة القانون والتعددية وتعمل من أجل كرامة الإنسان وتنمية شخصيته".
وتشكل الأحكام الواردة بهذه الفقرة إضافة هامة لأنها تكرّس صراحة ضمن الدستور، لأول مرة، قيام الجمهورية التونسية على مبادئ دولة القانون.
وتعني مبادئ دولة القانون التي وقع التنصيص عليها من الفصل 5 (جديد) من الدستور ما يلي :
الميزة الثالثة: ترسيخ الديمقراطية والتعددية
لم يتضمن الدستور، قبل تعديله في 1 جوان 2002، أي إشارة إلى التعددية لا في توطئته ولا في باب أحكامه العامة وحتى الفقرة التي أضيفت إلى الفصل الثامن من الدستور في تعديل 27 أكتوبر 1997، فإنها اقتصرت على التنصيص على دور الأحزاب.
إن إعلان الفقرة الثانية من الفصل 5 (جديد) من الدستور قيام الجمهورية على التعددية يكرس خيارا جوهريا من خيارات التغيير. فقد جاء بيان السابع من نوفمبر مبشرا "بأن شعبنا جدير بحياة سياسية متطورة ومنظمة تعتمد بحق تعددية الأحزاب السياسية والتنظيمات الشعبية".
وقد تجسمت بالفعل التعددية الحزبية في مجلس النواب وفي المجالس البلدية.
والتعددية لا تعني تعددية الأحزاب فحسب، بل وكذلك تعددية التنظيمات الشعبية، والجمعيات ومختلف مكونات المجتمع المدني.
كما أن التعددية ليست تعددية تنظيمية فحسب، بل هي كذلك تعددية فكرية وتعني مثلما بين ذلك الرئيس بن علي في خطابه في 15 نوفمبر 1989 الاختلاف في الرأي والاجتهاد في التفكير.
وبهذا المفهوم فإن تضمين مبدإ التعددية في الدستور هو خير ضمان لترسيخ الديمقراطية لأن التعددية من شروط الديمقراطية.
وإضافة إلى مبادئ دولة القانون والمؤسسات، فإن الفصل 5 (جديد) نص في فقرته الثانية على أن الجمهورية التونسية تعمل من أجل كرامة الإنسان وتنمية شخصيته. ومعنى ذلك أن دورها يكمن في تحقيق متطلبات العيش الكريم للإنسان من رعاية وعناية وتوفير ما يلزم لحياة كريمة. أما تنمية شخصية الفرد فتكون عن طريق التعليم والتربية والتثقيف وتوفير كل المستلزمات التي تمكن الفرد من تنمية مهاراته ومواهبه وصقل ذاته.
ومن أهم مظاهر ترسيخ التعددية وجود تسعة أحزاب معارضة معترف بها وأكثر من 8500 جمعية. وقد تمكنت أحزاب المعارضة من دخول الهيئات المنتخبة: مجلس النواب والمجالس البلدية والمجالس الجهوية كما أن من مظاهر التعددية المجسمة في الواقع العملي إجراء انتخابات رئاسية تعددية سنة 1999 وسنة 2004.
وتتلقى أحزاب المعارضة تمويلا عموميا لمساعدتها على تسيير شؤونها وانتظام صدور صحفها.
الميزة الرابعة: ترسيخ الدولة والمجتمع لقيم التضامن والتآزر والتسامح بين الأفراد والفئات والأجيال
لم يتعرض الدستور لا في توطئته ولا في باب أحكامه العامة إلى هذه القيم التي شكلت منذ تحول السابع من نوفمبر إحدى دعائم السياسة الاجتماعية في تونس، وسندا أساسيا في المنظومة الفكرية للتغيير.وقد جاءت الفقرة الثالثة (جديد) من الفصل 5 من الدستور ناصة على هذه القيم بما يكسبها قيمة دستورية ويجعل منها مصدرا من مصادر التشريع، علاوة على ما تعكسه كمظهر من مظاهر التنمية الشاملة في البلاد. ويعتبر إحداث الصندوق الوطني للتضامن في بداية التسعينات والدور الذي قام به في النهوض بمناطق الظل والخروج بها من عزلتها، من العلامات المضيئة في هذا المجال ممّا جعل بلادنا مثالا يحتذى به وجعل دعوة الرئيس بن علي إلى إحداث صندوق عالمي للتضامن تحظى بتأييد المنتظم الأممي.
كما أن التنصيص على قيمة التسامح في الدستور يرجع إلى أنّ العهد الجديد أقام خياراته الحضارية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية على مفاهيم تنبع كلّها من التسامح. وفي هذا المجال يقول الرئيس بن علي في خطابه في افتتاح الندوة المتوسطية حول بيداغوجيا التسامح في 21 أفريل 1995 "فالتسامح من جوهر ديننا الإسلامي الحنيف وفي صلب تقاليدنا الاجتماعية، وهو تاج الفضائل وميزة تاريخ تونس الذي يشكّل مثالا لانصهار التنوّع في نفس البنية الحضارية".
ولكن ما تجدر الإشارة إليه هو أن ترسيخ قيم التضامن والتآزر والتسامح بقدر ما يشمل الأفراد فهو يشمل الفئات الاجتماعية والأجيال. كما أن هذه القيم محمولة على الدولة أي على السلط العمومية، وهي محمولة أيضا على مختلف مكوّنات المجتمع.
الميزة الخامسة : إقامة نظام رئاسي متجدّد :
يقوم النظام الرئاسي المتجدّد بالخصوص على تفعيل علاقة الحكومة بمجلس النواب وتطوير الانتخابات الرئاسية.
وتقوم فلسفة تعديل الدستور في 1 جوان 2002 في مجال تفعيل علاقة الحكومة بمجلس النواب، على دفع الحوار البرلماني وتعزيز رقابة مجلس النواب على الحكومة. فقد تمّ التنصيص على تخصيص جلسات دورية للأسئلة الشفاهية، والتنصيص على الأسئلة حول مواضيع الساعة والحوار بين مجلس النواب والحكومة حول السياسات القطاعية وتبسيط إجراءات لائحة اللوم.
أما تطوير نظام الانتخابات الرئاسية فيتمثل في إقرار مبدإ انتخاب رئيس الجمهورية في دورتين.

الميزة السادسة : تطوير نظام التمثيل بإحداث مجلس المستشارين
يعتبر إحداث مجلس المستشارين من أهم الإضافات التي أتى بها تعديل الدستور في 1 جوان 2002 الذي يؤسّس لجمهورية الغد. ويستجيب إحداث هذه الغرفة، كما وضّح ذلك الرئيس بن علي في الخطاب الذي ألقاه في الذكرى الرابعة عشرة للتحول، إلى تطوّر النظرة إلى أشكال تمثيل الشعب في السلطة التشريعية. فمع إقرار التمثيل العام عبر انتخاب نواب الشعب مباشرة وتدعيمه، يهدف إحداث هذه الغرفة إلى ضمان تمثيل أوسع للجهات ولمختلف مكوّنات المجتمع لا سيّما المنظمات المهنية والنخب المحلية والكفاءات الوطنية إثراء للوظيفة التشريعية وللحياة السياسية بصفة عامة.
وينصّ الفصل 18 (جديد) من الدستور على ما يلي : "يمارس الشعب السلطة التشريعية بواسطة مجلس النواب ومجلس المستشارين أو عن طريق الاستفتاء". وهكذا، يكرّس الدستور التونسي لأول مرة ثنائية السلطة التشريعية، على غرار عديد الدول العريقة في الديمقراطية التي أخذت بنظام المجلسين، فسبعون دولة لها اليوم غرفة ثانية و12 دولة هي بصدد إحداث هذه الغرفة بعد أن كان هذا العدد لا يتجاوز 45 دولة في بداية السبعينات.

وهكذا يتّضح أن النظام السياسي في تونس يقوم على قواعد دستورية متطورة تضمن للمواطن حقوقه الأساسية وحرياته العامة وتقيم الحياة السياسية على مبادئ التعددية وتفسح المجال واسعا أمام المشاركة لكلّ مكوّنات المجتمع.




